محمد الغزالي

227

خلق المسلم

ووضع رقابة محكمة على السمع والبصر والفؤاد . إن هذا كفيل بإيجاد مجتمع بعيد عن الخرافات منزه عن الأوهام والمساخرة لا مجتمع يفيض بالشعوذة تتركز فيه الأراجيف والترهات ، وتحكمه تقاليد غامضة ما أنزل اللّه بها من سلطان . إن العلم للإسلام كالحياة للإنسان . ولن يجد هذا الدين مستقرا له إلا عند أصحاب المعارف الناضجة والألباب الحصيفة . ولأمر مّا يقول اللّه عنه : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ، وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ « 1 » ويقول مصوّرا أحاديث أهل جهنم : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 2 » . ويقول فيمن طمست مشاعرهم وماتت مواهبهم واستغلقت أذهانهم : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 3 » . إن اللّه شرف الحياة بالإسلام بعد ما بلغت رشدها ونمت قواها واستعدت لأن تتلقى منه أزكى التعاليم وأرقاها فكان جميعه ملائما لتطور الحياة نحو الكمال ، بل كان هو شوطا واسعا في الخطو بها نحو الرقي المادي والأدبي . وأنت إذا نظرت إلى الصلاة - وهي العبادة الأولى في الإسلام - وجدت أداءها والأذان لها عملا عقليا بحتا ، فالدعوة إلى الصلاة كلمات تقرع العقل وتوقظ القلب ؛ تكبير للّه ، وشهاد بتوحيده ، وحث على الفلاح . وليست جرسا يرسل رنينه في الفضاء ويخاطب المشاعر المبهمة . والصلاة نفسها آيات تتلى من كتاب جامع لعزائم الخير ودلائل الرشد ، ومدى قبولها مقرون بصحو الفكر في إقامتها وتدبر العقل لمعانيها . . والحق أنه على قدر ذكاء الشخص واستنارته واستقامة فطرته يكون رسوخ قدمه في الإسلام . وهيهات أن يسبق في هذا الدين بليد الرأي سقيم الوجدان . إن أول ما نزل من آيات القرآن قول اللّه لنبيه :

--> ( 1 ) إبراهيم : 52 . ( 2 ) الملك : 10 . ( 3 ) البقرة : 171 .